حركة العصر الجديد - مفهومها ونشأتها وتطبيقاتها

الأوراد/ الورد العاشر (٣٤٣ - ٣٧٤)

هذا ملخص يتضمن أهم النقاط الرئيسية والأفكار المهمة؛ لذا هو لا يغني عن الكتاب، صممناه لكم بشكل مريح يساعد على ترتيب المعلومة وفهمها

  • تفريغ توضيح الورد العاشر موضوعنا سيكون حول الحديث في الباب الثالث من الكتاب الذي يتناول أبرز تطبيقات حركة العصر الجديد و آثارها في الواقع. وهذا الباب حقيقةً هو الجانب التطبيقي للأفكار النظرية التي تم تناولها في الباب الأول والثاني، وهذه التطبيقات هي التي يلمسها الشخص في مجتمعه وفي حياته اليومية، وفي الغالب تشكّل المرحلة الأولية التي يبدأ بها الشخص في مراحله الانتقالية وسيره نحو الفلسفات الباطنية للأسف، بمعنى أنه في بداية الخطوات تجاه الانحراف العقدي في هذا المجال يكون عن طريق تطبيقات وممارسات لا يظهر للممارس عند أول وهلة الإشكاليات العقدية التي تتضمنها . وهذه الممارسات والتطبيقات متنوعة جدًا إلى درجة أنها تتناول جوانب متعددة وتؤثر في شرائح مختلفة من المجتمع، فهي ليست مقصورة على شريحة مثلاً مثقفة أو مقصورة على شريحة شبابية أو على شريحة متدينة أو غير متدينة, لا، وهذا من خصائص الحركة طرحها الشمولي هذا، هذه الإضافة التي قدمتها الحركة على ما سبقها من التيارات الباطنية الغربية. فالمقصود أن التطبيقات التي رَوجت من خلالها حركة العصر الجديد أفكارها الباطنية هي تطبيقات متنوعة ومختلفة, وللأسف -كما ذكرت- هي ظاهرة في جوانب مختلفة من الممارسات التي تؤثر في شرائح متنوعة من المجتمع. ويحسن أن يذكر في بداية هذا الباب أن الذين تبنوا نشر هذه الممارسات في العالم العربي والإسلامي لم يكونوا فقط أفراد متفرقين بل توجد بعض الأعمال المؤسسية لنشر هذا الفكر وهذه الممارسات. من أبرز هذه الأعمال المؤسسية التي تتبنى هذه التطبيقات والممارسات هو -كما هو معلوم عند كثير منكم- "مركز الراشد"، طبعًا مركز الراشد اليوم لم يعد عمله بنفس المستوى الذي كان يعمل به قبل عدة سنوات؛ لأن الراشد نفسه أصبح له اهتمامات أخرى، وطريقته في نشر الفكر وفي الترويج لما يعتقده ومبادئه التي يتبناها أصبحت متنوعة ومن وجهة نظري أكثر عمق وخطورة، ولعل أكثر المؤسسات الفكرية التي تتبنى هذا الفكر وتنشره وأكثرها خطورة هي "الأكاديمية الدولية للتنمية الذاتية"، التي يتزعمها صلاح الراشد، هذه تعتبر كالمعهد الإلكتروني التعليمي عن بُعد يقسم إلى مراحل متنوعة قائمة كليًا على العقائد الروحانية الباطنية الملبّسة بالعلوم التجريبية الزائفة. وأظن أن كثير من الناس الذين ينخرطون في هذا المجال يُلبَّس عليهم الأمر العقدي بالجانب العلمي التجريبي حتى يتشربوا هذه المعتقدات ثم يصعب ويشق انتزاعها من صدورهم، نسأل الله عز وجل العافية. وقد تم تقسيم آثار الحركة في المجالات المختلفة في هذا الكتاب إلى أربعة فصول: الفصل الأول: تطبيقات حركة العصر الجديد في العلوم النفسية. الفصل الثاني: آثار الحركة في العلم التجريبي الحديث. الفصل الثالث: آثار الحركة في المجتمع والتعليم. الفصل الرابع: آثار حركة العصر الجديد في الإعلام ووسائل الترفيه. أما الفصل الأول الذي يتناول العلوم النفسية فيحسُن التمهيد له بالنظريات التي مهّدَتْ أو سهلت انتشار الأفكار الروحانية الباطنية التي تتبناها الحركة في المجتمعات على أنها من العلوم النفسية. فيمكن أن نعتبر نظريات فرويد في التحليل النفسي تعتبر الخطوة الأولى التي مهدت لهذه النظريات، طبعًا نظريات فرويد هي ليست بالضرورة لها تعلق مباشر بالفكر الباطني أو بحركة العصر الجديد، لكن المقصود أنها قدمت نوع من الفكرة الممهِّدة لقبول الأفكار التالية للحركة، فالجانب الذي أسهمت فيه نظريات فرويد هو تقديم فكرة اللاواعي أو العقل الباطن كما هو معروف. العقل الباطن قبل فرويد لم يكن له وجود متميز ظاهر في علم النفس أو في العلوم النفسية، لكن فرويد قدمها كنظرية وأصبحت لها رواج في المجتمع المتخصص. ومن المعلوم أن حركة العصر الجديد والحركات الباطنية بشكل عام اعتمدوا كثيرًا على مفهوم العقل الباطن وخلطوا بين المفاهيم النفسية والمفاهيم الباطنية، لكن لولا وجود نوع من المصداقية العلمية في الأوساط النفسية لهذا المصطلح -مصطلح العقل الباطن- لما استطاعوا أن يروجوه على أنه نوع من علم النفس، لكن الذي ربما قدَّم خدمة أكبر للتيارات الباطنية لم يكن سقمنت فرويد وإنما تلميذه كارل يونق فهو الذي بنى على نظريات فرويد في التحليل النفسي فقدَّم نظريات علم النفس التحليلي كخطوة إضافية على ما سبق أن طرحه فرويد. الجزء الذي قدمه يونق والذي يخدم الحركة بشكل أكبر (طبعًا كارل يونق يعتبر من المتأثرين بالفلسفات الشرقية وهناك كلام مطول على سيرته وعلى معتقداته الشخصية الدينية) لكنه أضاف إلى النظريات النفسية التي قدمها فرويد أنه جعل اللاواعي لا واعي مشترك فلم يكن اللاواعي خاص بكل إنسان، يعني اللاواعي أو العقل الباطن ليس خاص بي أنا وحدي كشخص منفرد وإنما هناك عقل مشتَرَك باطني تجتمع فيه الخبرات النفسية الجمعية، وهذا بلا شك مع عدم وجود أدلة تجريبة حقيقية على ثبوته إلا أنه يقدم تسهيلاً كبيرًا جدًا لمن يقولون بعقيدة وحدة الوجود والذين يقولون بسجلات أكاشا عند الهندوس أو الذين يقولون بوجود وعي مطلق أو أن الإله هو الوعي المطلق ونحو ذلك، هذا مما يمهد له القول بوجود عقل جمعي تجمع فيه الخبرات البشرية. فكرة العقل الباطن هي من المصطلحات المجملة التي تحتمل معاني صحيحة وتحتمل معاني باطلة في غاية البطلان، ولذلك ينبغي قبل الحديث عن العقل الباطن في نفيه أو إثباته أو نقده أو امتداحه أن نتوقف عند هذا المصطلح ونفهم ما الذي يراد به تحديدًا؟ ما المقصود بالعقل الباطن؟ ما الذي نريده من هذا المصطلح؟ وحقيقةً الذي أميل إليه هو تجنب استخدام هذا المصطلح خاصةً في السياق غير المتخصص يعني في الكلام العادي فيما بيننا أو حتى في المحاضرات الدينية أو في جانب الوعظ الشرعي أو الوعظ الديني لا يحسُن حقيقة استخدام هذا المصطلح؛ نظرًا لما تشبّع به من الافكار الفلسفية أو حتى الأفكار غير العلمية الصحيحة، لكن المصطلح كما ذكرت هو مصطلح مجمل يحتمل معاني صحيحة ويحتمل معاني غير صحيحة فينبغي تحرير المصطلح. الجوانب الصحيحة هي ما يتعلق بالذاكرة اللاإرادية وبعض الأفكار المتعلقة بربط أشياء معينة, بأفكار معينة, كما هو موضح في الكتاب بشكل تفصيلي. لكن الجانب المُشكِل في العقل الباطن هو ربطه بالفلسفات الشرقية وأن يُعتبر هذا العقل الباطن هو الوعي المطلق أو يكون كمرادف للوجود المطلق أو الإله في الفلسفات الشرقية، ومن ثم يتمكن الإنسان بتواصله مع هذا العقل الباطن أو عن طريق تحرير هذا العقل الباطن أو عبر عنه بما شئت من تعبيراتهم المتنوعة، يتمكن الإنسان من التواصل مع القوى المطلقة فيكون لديه نوع من الاتصال بالقوة المطلقة والحكمة المطلقة والعلوم المطلقة, ويعبَّر عنه أيضًا بالاتحاد أو بالفناء أو بالموكشا أو بالنرفانا أو غير ذلك من المصطلحات التي تنسب إلى الاديان، فيكون الاعتقاد بالعقل الباطن بناءً على ذلك إنما هو اعتقاد فلسفي الحادي. أما بالنسبة للمدارس المحددة في علم النفس التي تأثرت بالروحانيات الحديثة والفكر الباطني الحديث بشكل عام، فمن أبرزها "المدرسة الإنسانية أو علم النفس الإنساني" وما يعرف بـ "علم نفس ما بعد الذات" هاتين المدرستين تعتبر من المدارس التي أسهمت في نشر الفكر الباطني الحديث عن طريق العلوم النفسية. يتميز علم النفس الإنساني بأنه يعالج الإنسان على أنه فرد لا على أنه حالة مرضية، ويشجِّع الإنسان على أن يوجد حلولاً خاصةً به، وهذه النقطة التي تعتبر مركزية في الإشكاليات المتعلقة بهذه المدرسة، فظهرت أساليب كثيرة جديدة في العلاج النفسي, ومع انتشار الفلسفة الشرقية في الستينات والسبعينات من القرن الميلادي المنصرم برزت بعض المدارس النفسية التي تريد أن تهتم بهذا الجانب الذي هو الجانب الروحاني الباطني وزعموا أن المدارس الأخرى أغفلت جانب مهم جدًا من النفس البشرية وهو الجانب الروحاني. فكانت أبرز المدارس التي اهتمت بهذا الجانب ما يعرف بـ " علم نفس ما بعد الذات". ومما أثر في حركة العصر الجديد وأسهم في نشر أفكارها وتلبيسها بعلم النفس: استشهاد كثير من رواد الحركة والمهتمين بالباطنيات الحديثة والروحانيات الحديث بأفكار أبراهام ماسلو. أبراهام ماسلو كان له هرم يحدد فيه احتياجات الإنسان النفسية وجعل في قمة هذا الهرم ما سماه "تحقيق الذات" طبعًا كلمة تحقيق الذات هي كلمة منتشرة في الدورات التدريبية وفي تطوير الذات وربما كانت تعتبر من المصطلحات الجديدة الوافدة على المجتمعات العربية أو الإسلامية وليست لها معاني ظاهرة وواضحة بالنسبة لهم، لكنها من منطلق هرم ماسلو لها أبعاد ومعاني متفقة مع الفلسفات الشرقية وإن كان ماسلو لا يعترف بكونها مظاهر خارقة للعادة أو لها تعلق بدين أو اعتقاد، وإنما يرى أنها مظهر طبيعي. المقصود أنه في قمة الهرم أو في تحقيق الذات أو ما يسميه تجربة القمة فيجعلها ماسلو ما يعبر عنه بوحدة الإنسان مع الكون أو مع الطبيعة أو ما يشابه ذلك. فالمقصود أن ما عبر عنه ماسلو في هذه التجربة يشبه لحد كبير ما يذكره الروحانيين والباطنيين في حديثهم عن الاتحاد ووحدة الوجود في تجاربهم الروحانية، ومن ثم أصبحوا يستدلون بمقالات وكتابات ماسلو على أن ما يتحدثون عنه منسجم مع علوم النفس وأنها ليست فقط تجارب منسوبة إلى أديان معينة, وهذا من أجل ترويجها عند من لا يريدون أن يعتنقوا ديانات. يعني عندما تتحدث مع شخص علماني ملحد وتريد أن تروج أفكار روحانية منطبعة بطابع ديني عقدي لن يقبلها منك، لكن لو جعلت لها لبوس علمي أو لبوس نفسي فإنها قد تمر عليه وقد يتقبلها الشخص الذي لا يريد أن ينتمي إلى دين معين أو أن يتقبل ممارسات دينية واضحة الانتماء. وفي التوضيح القادم بإذن الله سأتحدث عن التقنيات النفسية التي تأثرت بالفلسفات الباطنية والتي تروَج على أنها من العلوم النفسية.
    لم ينشر المقطع الصوتي

    التفريغ بالأسفل

    0
    00:00
تفريغ توضيح الورد العاشر

موضوعنا سيكون حول الحديث في الباب الثالث من الكتاب الذي يتناول أبرز تطبيقات حركة العصر الجديد و آثارها في الواقع.
وهذا الباب حقيقةً هو الجانب التطبيقي للأفكار النظرية التي تم تناولها في الباب الأول والثاني، وهذه التطبيقات هي التي يلمسها الشخص في مجتمعه وفي حياته اليومية، وفي الغالب تشكّل المرحلة الأولية التي يبدأ بها الشخص في مراحله الانتقالية وسيره نحو الفلسفات الباطنية للأسف، بمعنى أنه في بداية الخطوات تجاه الانحراف العقدي في هذا المجال يكون عن طريق تطبيقات وممارسات لا يظهر للممارس عند أول وهلة الإشكاليات العقدية التي تتضمنها .
وهذه الممارسات والتطبيقات متنوعة جدًا إلى درجة أنها تتناول جوانب متعددة وتؤثر في شرائح مختلفة من المجتمع، فهي ليست مقصورة على شريحة مثلاً مثقفة أو مقصورة على شريحة شبابية أو على شريحة متدينة أو غير متدينة, لا، وهذا من خصائص الحركة طرحها الشمولي هذا، هذه الإضافة التي قدمتها الحركة على ما سبقها من التيارات الباطنية الغربية.
فالمقصود أن التطبيقات التي رَوجت من خلالها حركة العصر الجديد أفكارها الباطنية هي تطبيقات متنوعة ومختلفة, وللأسف -كما ذكرت- هي ظاهرة في جوانب مختلفة من الممارسات التي تؤثر في شرائح متنوعة من المجتمع.
ويحسن أن يذكر في بداية هذا الباب أن الذين تبنوا نشر هذه الممارسات في العالم العربي والإسلامي لم يكونوا فقط أفراد متفرقين بل توجد بعض الأعمال المؤسسية لنشر هذا الفكر وهذه الممارسات.

من أبرز هذه الأعمال المؤسسية التي تتبنى هذه التطبيقات والممارسات هو -كما هو معلوم عند كثير منكم- "مركز الراشد"، طبعًا مركز الراشد اليوم لم يعد عمله بنفس المستوى الذي كان يعمل به قبل عدة سنوات؛ لأن الراشد نفسه أصبح له اهتمامات أخرى، وطريقته في نشر الفكر وفي الترويج لما يعتقده ومبادئه التي يتبناها أصبحت متنوعة ومن وجهة نظري أكثر عمق وخطورة، ولعل أكثر المؤسسات الفكرية التي تتبنى هذا الفكر وتنشره وأكثرها خطورة هي "الأكاديمية الدولية للتنمية الذاتية"، التي يتزعمها صلاح الراشد، هذه تعتبر كالمعهد الإلكتروني التعليمي عن بُعد يقسم إلى مراحل متنوعة قائمة كليًا على العقائد الروحانية الباطنية الملبّسة بالعلوم التجريبية الزائفة. وأظن أن كثير من الناس الذين ينخرطون في هذا المجال يُلبَّس عليهم الأمر العقدي بالجانب العلمي التجريبي حتى يتشربوا هذه المعتقدات ثم يصعب ويشق انتزاعها من صدورهم، نسأل الله عز وجل العافية.

وقد تم تقسيم آثار الحركة في المجالات المختلفة في هذا الكتاب إلى أربعة فصول:
الفصل الأول: تطبيقات حركة العصر الجديد في العلوم النفسية.
الفصل الثاني: آثار الحركة في العلم التجريبي الحديث.
الفصل الثالث: آثار الحركة في المجتمع والتعليم.
الفصل الرابع: آثار حركة العصر الجديد في الإعلام ووسائل الترفيه.

أما الفصل الأول الذي يتناول العلوم النفسية فيحسُن التمهيد له بالنظريات التي مهّدَتْ أو سهلت انتشار الأفكار الروحانية الباطنية التي تتبناها الحركة في المجتمعات على أنها من العلوم النفسية.
فيمكن أن نعتبر نظريات فرويد في التحليل النفسي تعتبر الخطوة الأولى التي مهدت لهذه النظريات، طبعًا نظريات فرويد هي ليست بالضرورة لها تعلق مباشر بالفكر الباطني أو بحركة العصر الجديد، لكن المقصود أنها قدمت نوع من الفكرة الممهِّدة لقبول الأفكار التالية للحركة، فالجانب الذي أسهمت فيه نظريات فرويد هو تقديم فكرة اللاواعي أو العقل الباطن كما هو معروف.
العقل الباطن قبل فرويد لم يكن له وجود متميز ظاهر في علم النفس أو في العلوم النفسية، لكن فرويد قدمها كنظرية وأصبحت لها رواج في المجتمع المتخصص.
ومن المعلوم أن حركة العصر الجديد والحركات الباطنية بشكل عام اعتمدوا كثيرًا على مفهوم العقل الباطن وخلطوا بين المفاهيم النفسية والمفاهيم الباطنية، لكن لولا وجود نوع من المصداقية العلمية في الأوساط النفسية لهذا المصطلح -مصطلح العقل الباطن- لما استطاعوا أن يروجوه على أنه نوع من علم النفس، لكن الذي ربما قدَّم خدمة أكبر للتيارات الباطنية لم يكن سقمنت فرويد وإنما تلميذه كارل يونق فهو الذي بنى على نظريات فرويد في التحليل النفسي فقدَّم نظريات علم النفس التحليلي كخطوة إضافية على ما سبق أن طرحه فرويد.
الجزء الذي قدمه يونق والذي يخدم الحركة بشكل أكبر (طبعًا كارل يونق يعتبر من المتأثرين بالفلسفات الشرقية وهناك كلام مطول على سيرته وعلى معتقداته الشخصية الدينية) لكنه أضاف إلى النظريات النفسية التي قدمها فرويد أنه جعل اللاواعي لا واعي مشترك فلم يكن اللاواعي خاص بكل إنسان، يعني اللاواعي أو العقل الباطن ليس خاص بي أنا وحدي كشخص منفرد وإنما هناك عقل مشتَرَك باطني تجتمع فيه الخبرات النفسية الجمعية، وهذا بلا شك مع عدم وجود أدلة تجريبة حقيقية على ثبوته إلا أنه يقدم تسهيلاً كبيرًا جدًا لمن يقولون بعقيدة وحدة الوجود والذين يقولون بسجلات أكاشا عند الهندوس أو الذين يقولون بوجود وعي مطلق أو أن الإله هو الوعي المطلق ونحو ذلك، هذا مما يمهد له القول بوجود عقل جمعي تجمع فيه الخبرات البشرية.

فكرة العقل الباطن هي من المصطلحات المجملة التي تحتمل معاني صحيحة وتحتمل معاني باطلة في غاية البطلان، ولذلك ينبغي قبل الحديث عن العقل الباطن في نفيه أو إثباته أو نقده أو امتداحه أن نتوقف عند هذا المصطلح ونفهم ما الذي يراد به تحديدًا؟ ما المقصود بالعقل الباطن؟ ما الذي نريده من هذا المصطلح؟ وحقيقةً الذي أميل إليه هو تجنب استخدام هذا المصطلح خاصةً في السياق غير المتخصص يعني في الكلام العادي فيما بيننا أو حتى في المحاضرات الدينية أو في جانب الوعظ الشرعي أو الوعظ الديني لا يحسُن حقيقة استخدام هذا المصطلح؛ نظرًا لما تشبّع به من الافكار الفلسفية أو حتى الأفكار غير العلمية الصحيحة، لكن المصطلح كما ذكرت هو مصطلح مجمل يحتمل معاني صحيحة ويحتمل معاني غير صحيحة فينبغي تحرير المصطلح.
الجوانب الصحيحة هي ما يتعلق بالذاكرة اللاإرادية وبعض الأفكار المتعلقة بربط أشياء معينة, بأفكار معينة, كما هو موضح في الكتاب بشكل تفصيلي.
لكن الجانب المُشكِل في العقل الباطن هو ربطه بالفلسفات الشرقية وأن يُعتبر هذا العقل الباطن هو الوعي المطلق أو يكون كمرادف للوجود المطلق أو الإله في الفلسفات الشرقية، ومن ثم يتمكن الإنسان بتواصله مع هذا العقل الباطن أو عن طريق تحرير هذا العقل الباطن أو عبر عنه بما شئت من تعبيراتهم المتنوعة، يتمكن الإنسان من التواصل مع القوى المطلقة فيكون لديه نوع من الاتصال بالقوة المطلقة والحكمة المطلقة والعلوم المطلقة, ويعبَّر عنه أيضًا بالاتحاد أو بالفناء أو بالموكشا أو بالنرفانا أو غير ذلك من المصطلحات التي تنسب إلى الاديان، فيكون الاعتقاد بالعقل الباطن بناءً على ذلك إنما هو اعتقاد فلسفي الحادي.

أما بالنسبة للمدارس المحددة في علم النفس التي تأثرت بالروحانيات الحديثة والفكر الباطني الحديث بشكل عام، فمن أبرزها "المدرسة الإنسانية أو علم النفس الإنساني" وما يعرف بـ "علم نفس ما بعد الذات" هاتين المدرستين تعتبر من المدارس التي أسهمت في نشر الفكر الباطني الحديث عن طريق العلوم النفسية.

يتميز علم النفس الإنساني بأنه يعالج الإنسان على أنه فرد لا على أنه حالة مرضية، ويشجِّع الإنسان على أن يوجد حلولاً خاصةً به، وهذه النقطة التي تعتبر مركزية في الإشكاليات المتعلقة بهذه المدرسة، فظهرت أساليب كثيرة جديدة في العلاج النفسي, ومع انتشار الفلسفة الشرقية في الستينات والسبعينات من القرن الميلادي المنصرم برزت بعض المدارس النفسية التي تريد أن تهتم بهذا الجانب الذي هو الجانب الروحاني الباطني وزعموا أن المدارس الأخرى أغفلت جانب مهم جدًا من النفس البشرية وهو الجانب الروحاني. فكانت أبرز المدارس التي اهتمت بهذا الجانب ما يعرف بـ " علم نفس ما بعد الذات".
ومما أثر في حركة العصر الجديد وأسهم في نشر أفكارها وتلبيسها بعلم النفس: استشهاد كثير من رواد الحركة والمهتمين بالباطنيات الحديثة والروحانيات الحديث بأفكار أبراهام ماسلو. أبراهام ماسلو كان له هرم يحدد فيه احتياجات الإنسان النفسية وجعل في قمة هذا الهرم ما سماه "تحقيق الذات" طبعًا كلمة تحقيق الذات هي كلمة منتشرة في الدورات التدريبية وفي تطوير الذات وربما كانت تعتبر من المصطلحات الجديدة الوافدة على المجتمعات العربية أو الإسلامية وليست لها معاني ظاهرة وواضحة بالنسبة لهم، لكنها من منطلق هرم ماسلو لها أبعاد ومعاني متفقة مع الفلسفات الشرقية وإن كان ماسلو لا يعترف بكونها مظاهر خارقة للعادة أو لها تعلق بدين أو اعتقاد، وإنما يرى أنها مظهر طبيعي. المقصود أنه في قمة الهرم أو في تحقيق الذات أو ما يسميه تجربة القمة فيجعلها ماسلو ما يعبر عنه بوحدة الإنسان مع الكون أو مع الطبيعة أو ما يشابه ذلك.
فالمقصود أن ما عبر عنه ماسلو في هذه التجربة يشبه لحد كبير ما يذكره الروحانيين والباطنيين في حديثهم عن الاتحاد ووحدة الوجود في تجاربهم الروحانية، ومن ثم أصبحوا يستدلون بمقالات وكتابات ماسلو على أن ما يتحدثون عنه منسجم مع علوم النفس وأنها ليست فقط تجارب منسوبة إلى أديان معينة, وهذا من أجل ترويجها عند من لا يريدون أن يعتنقوا ديانات. يعني عندما تتحدث مع شخص علماني ملحد وتريد أن تروج أفكار روحانية منطبعة بطابع ديني عقدي لن يقبلها منك، لكن لو جعلت لها لبوس علمي أو لبوس نفسي فإنها قد تمر عليه وقد يتقبلها الشخص الذي لا يريد أن ينتمي إلى دين معين أو أن يتقبل ممارسات دينية واضحة الانتماء.
وفي التوضيح القادم بإذن الله سأتحدث عن التقنيات النفسية التي تأثرت بالفلسفات الباطنية والتي تروَج على أنها من العلوم النفسية.
لا يوجد مناقشات
لا يوجد اقتباسات
  • مريم إبراهيم
    مريم إبراهيم

    الاعتقاد أن للطبيعة البشرية قدرات خارقة لا يستخدم البشر إلا جزء يسير منها.ص٣٦
    هل تدخل في هذه العبارة من يقول أن الإنسان لا يستخدم سوى ٥٪‏ من عقله؟

    0
    • د.هيفاء بنت ناصر الرشيد
      د.هيفاء بنت ناصر الرشيد

      ما ذكرتِ الـ ٥٪‏ من العقل هي نظرية نفسية غير ثابتة، قد تستخدم أحيانًا لتمرير الأفكار الباطنية - لكن ليس بالضرورة.

      0
    • أظهر المزيد من الردود