-
تعليق على الورد الثالث عشر
0000:00
اللوّ
من: 390 — إلى: 390
" باب ما جاء في اللو..."
فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران.
الثانية: النهي الصريح عن قول: " لو " إذا أصابك شيء.
الثالثة: تعليل المسألة؛ بأن ذلك يفتح عمل الشيطان.
الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن.
الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع، مع الاستعانة بالله.
السادسة: النهي عن ضد ذلك وهو العجز.
عليه أن ينيب وأن يستغفر وأن يقبل على الله جل جلاله وقد قال سبحانه: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ} [طه: ٨٢] .
والشيطان يدخل على القلب، فيجعله يسيء الظن بربه- جل وعلا- وبقضائه وبقدره، وإذا دخلت إساءة الظن بالله ضعف التوحيد ولم يحقق العبد ما يجب عليه من الإيمان بالقدر والإيمان بأفعال الله جل جلاله ؛ ولهذا عقد المصنف هذا الباب؛ لأن كثيرين يعترضون على القدر من جهة أفعالهم، ويظنون أنهم لو فعلوا أشياء لتغير الحال والله جل وعلا قد قدر الفعل وقدر نتيجته، فالكل موافق لحكمته سبحانه وتعالى.
" وقول الله تعالى: { يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ} [آل عمران: ١٥٤] . وقوله: {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ } [آل عمران: ١٦٨]": تقدم أن قول (لو) في الماضي لا يجوز وأنه محرم ودليل ذلك واضح من الآيتين. ومناسبة الآيتين للباب ظاهرة: وهو أن التحسر على الماضي بالإتيان بلفظ (لو) إنما هو من خصال المنافقين قال جل وعلا عن المنافقين؛ وهذا في قصة غزوة أحد كما هو معروف، فهذا من كلام المنافقين، فيكون استعمال (لو) من خصال النفاق، وهذا يدل على حرمتها.
في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) ، تفتح عمل الشيطان» : وجه مناسبة هذا الحديث: قوله: «وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا» و (لو) هنا كانت على الماضي، وقوله: (فلا تقل) نهي، والنهي للتحريم؛ وهذا لأنه سوء ظن؛ ولأنه فتح عمل الشيطان، فالشيطان يأتي المصاب فيغريه بـ (لو) حتى إذا استعملها ضعف قلبه وعجز، وظن أنه سيغير من قدر الله شيئا، وهو لا يستطيع أن يغير من قدر الله شيئا، بل قدر الله ماض؛ ولهذا أرشده عليه الصلاة والسلام أن يقول: «قدر الله وما شاء فعل» ؛ لأن ذلك راجع إلى قدره وإلى مشيئته، هذا كله من النهي والتحريم راجع إلى ما كان من استعمال (لو) أو (ليت) وما شابههما من الألفاظ في التحسر على الماضي، وتمني أن لو فعل كذا حتى لا يحصل له ما سبق، كل ذلك فيما يتصل بالماضي.
أما المستقبل كأن يقول: لو يحصل لي كذا وكذا في المستقبل، فإنه لا يدخل في النهي؛ لأنها حينئذ تكون للتعليق في المستقبل، وترادف (إن) .
فاستعمال (لو) في المستقبل الأصل فيه الجواز، إلا إن اقترن بذلك اعتقاد أن فعله سيكون حاكمًا على القدر كاعتقاد بعض الجاهليين، أنه إن حصل لي كذا فعلت كذا، تكبرًا وأنفة واستعظامًا لفعلهم وقدرتهم، فإن هذا يكون من المنهي؛ لأن فيه تجبرًا وتعاظمًا، والواجب على العبد أن يكون ذليلاً؛ لأن القضاء والقدر ماض، وقد يحصل له الفعل ولكن ينقلب على عقبيه كحال
الذي قال الله جل وعلا فيه: ( وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) ) [التوبة: ٧٥- ٧٧] فإنهم قالوا: لئن كان لنا كذا وكذا لنفعلن كذا وكذا، فلما أعطاهم الله جل وعلا المال بخلوا به وتولوا وهم معرضون، فهذا فيه نوع تحكم على القدر وتعاظم، فاستعمال (لو) في المستقبل إذا كانت في الخير مع رجاء ما عند الله بالإعانة على أسباب الخير فهذا جائز، أما إذا كان على وجه التجبر والاستعظام، فإنه لا يجوز؛ لأن فيه نوع تحكم على القدر.
انظر بتصرف: التمهيد لشرح كتاب التوحيد، صالح آل الشيخ، ص 529 وما بعدها
يشترط في النهي عن (لو) القصد القلبي، فإذا قال الإنسان: لو حصل كذا لكان كذا وكذا وكان قصده الندم والتسخط على الماضي فلا شك في أن هذه تفتح عمل الشيطان، وهذه هي المرادة بالنهي.
فالمراد بالنهي هنا: أن يكون قصد القائل عندما يقول: (لو) هو الندم والسخط والحزن ونحو ذلك من المعاني الفاسدة، أما إذا كان له قصد آخر -مثل أن يتمنى الخير- فلا شيء عليه.
وقد استعملها النبي صلى الله عليه وسلم، ففي حجة الوداع عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يحلوا بعد العمرة قال لهم: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة) فهذا تمن للخير، وليس فيه حزن وتسخط على الماضي، وورد في الحديث المشهور في الرجل الذي يتمنى أنه يقول: لو أن عندي مالا لفعلت فيه كذا وكذا، يعني: إذا تمنى الإنسان أن يكون له مال ينفقه في الطاعة فله أجر عظيم.
وليعلم أن (لو) ورد النهي عن استعمالها، وورد استعمالها في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فلا بد من الجمع بينهما؛ لأنه لا يمكن أن يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم وهي منهية عنها، وهذا يدل على أهمية القصد في مثل هذه الكلمات، فكلمة (لو) قد يطلقها الإنسان وهو حزين، وكأنه يتمنى استرجاع الماضي، واسترجاع الماضي ليس بيده، أو كأنه متسخط على الماضي، أما إذا كان متمنيا للخير فلا إشكال في ذلك؛ لأن الإنسان إذا قال: (لو)، وهو متسخط وحزين على الماضي فإن في قوله سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى؛ لأنه لم يرض بقدر الله عز وجل الذي قدره له، ولهذا قال: (فإن (لو) تفتح عمل الشيطان)، ولهذا مثل بقوله: (ولا يقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا)؛ لأنه لا يمكن أن يحصل ذلك له، ففيها سوء أدب مع الله عز وجل واعتراض على قدره، أما إذا قالها متمنيا للخير فليس فيها ذلك المحذور الشرعي، وبناء على هذا تكون جائزة، بل فيها طلب للخير وتمن له وتربية للنفس عليه.
شرح كتاب التوحيد، د.عبد الرحيم السلمي، دروس صوتية، 9 / 4